Chapter 1: رماد الطفولة و نداء الدماء

🌐
Dieses Kapitel ist noch nicht auf German verfügbar. Melde dich an, um es zu übersetzen und allen zugänglich zu machen.

رماد الطفولة ونداء الدماء

كان الضباب يبتلع جذوع أشجار الغابة العتيقة، ويتمدد بين الأغصان ككائنٍ حيّ يراقب كل ما يمر من تحته.

قافلة تجارية تشق طريقها ببطء بين الأشجار. عربات خشبية محمّلة بالبضائع، وخيول متعبة تجرها بصعوبة فوق الأرض الرطبة، بينما كان التجار يتبادلون الأحاديث الخافتة في محاولة لكسر صمت الصباح.

لم يكن أحد منهم يعلم أن شيئًا ما كان يراقبهم.

من بين الضباب...

لمعت عينان صفراوان.

ثم اختفتا.

توقفت إحدى الخيول فجأة، ورفعت رأسها بفزع.

— هدوء... ما بها؟

لم يُجب أحد.

فقد كان الصمت قد تغيّر.

لم يعد صمت غابة.

كان شيئًا أثقل.

شيئًا يختبئ خلف الأشجار.

ثم جاء الصوت.

خشخشة بين الأغصان.

التفت أحد التجار.

— هل سمعتم ذلك؟

لم تمهله الغابة وقتًا آخر.

اندفعت ظلال مشوهة من بين الأشجار، ومزقت صفوف القافلة في لحظة واحدة.

لم تكن هناك صرخة تحذير.

ولا وقت لإعداد السلاح.

فقط عيون صفراء تخترق الضباب، ومخالب تهبط من الظلام، وأجساد تتساقط قبل أن يفهم أصحابها ما يحدث.

تحولت أصوات العجلات إلى صرخات.

وانقلبت القافلة التي كانت قبل لحظات تعبر الغابة بحثًا عن الربح، إلى فوضى عارمة.

كانت الغيلان قد خرجت للصيد.

وبعد دقائق قليلة...

لم يبقَ في الطريق سوى العربات المقلوبة، والبضائع المتناثرة، وآثار المعركة التي غطاها الضباب من جديد.

وكأن الغابة لم تشهد شيئًا.

وعلى بُعد أميال من تلك الحادثة، كانت زقزقة العصافير تصنع سلامًا كاذبًا في إحدى قرى الريف الجنوبي.

جلس لوجارو، الصبي النحيل ذو النظرات الشاردة، قرب أحد أطراف القرية، يراقب مجموعة من الأطفال وهم يركضون خلف كرة بالية.

كان يستطيع الانضمام إليهم.

لكنه لم يفعل.

اعتاد نظرات التهميش.

واعتاد الهمسات التي تنخفض حين يقترب، ثم تعود بعد أن يبتعد.

لذلك اكتفى بالمشاهدة.

وبعد وقت قصير، نهض وعاد إلى كوخه الخشبي المتهالك.

كان الكوخ صغيرًا إلى درجة أن الرياح في الشتاء كانت تجد طريقها إلى داخله بسهولة، وكانت جدته العجوز تجلس في زاويته المعتادة، تلف جسدها النحيل بقطعة قماش سميكة.

ما إن دخل لوجارو حتى باغتها سعال حاد.

انحنى جسدها الهزيل، ورفعت يدها المرتجفة إلى فمها.

وحين أبعدتها، لمح لوجارو آثارًا داكنة على القماش.

تجمد للحظة.

كان يعرف أن جدته تزداد ضعفًا يومًا بعد يوم.

وكان يخشى أن يأتي صباح لا يجدها فيه.

لكنها، كعادتها، تجاهلت حالتها.

مدت إليه كسرة خبز قاسية، ثم وضعت أمامه القليل من الماء.

— كل يا بني.

نظر لوجارو إلى الخبز، ثم إليها.

— وأنتِ؟

ابتسمت الجدة ابتسامة متعبة.

— أنا بخير.

عرف أنها تكذب.

— لكنك لم تأكلي منذ يومين!

حاولت أن تقاطعه، لكنه تابع:

— أرجوكِ يا جدتي، تناولي شيئًا. صحتك تتهاوى... لماذا تضحين بنفسك من أجلي؟

نظرت إليه طويلًا.

ثم مدت يدها المرتجفة ولمست شعره.

— لأنك لم يتبقَّ لي منك سوى أنت.

صمتت قليلًا.

— وأنت الشيء الوحيد الذي بقي لي من أمك.

خفض لوجارو عينيه.

كان اسم أمه نادرًا ما يُذكر في ذلك الكوخ.

ثم قالت الجدة:

— أريد منك شيئًا واحدًا فقط.

رفع لوجارو رأسه.

— ماذا؟

نظرت إلى القلادة المعلقة حول عنقه.

— حافظ على تلك القلادة.

أمسك لوجارو بها دون أن يفهم سبب اهتمامها الشديد بها.

— سأحافظ عليها.

ابتسمت.

لكنها لم تجبه.

وفي الخارج...

رن جرس القرية.

دَن...

دَن...

دَن...

توقفت الجدة عن الابتسام.

وتجمد لوجارو في مكانه.

لم تكن تلك دقات احتفال.

كانت شيئًا يعرفه أهل القرية جيدًا.

نذير شؤم.

اقتربت أصوات الأقدام من الخارج.

ثم تعالت صيحة:

— قبضة العدالة الحديدية وصلت!

انطفأت ملامح الهدوء من القرية في لحظة.

وقف لوجارو خلف الباب نصف المفتوح، يراقب الجنود وهم يدخلون القرية.

كانت دروعهم الفضية تلمع تحت شمس الظهيرة، لكن ذلك اللمعان لم يمنح أحدًا شعورًا بالأمان.

على العكس.

كان أهل القرية يغلقون أبوابهم.

والأطفال يُسحبون إلى داخل الأكواخ.

والرجال يخفضون رؤوسهم.

وفي مقدمة الجنود...

كان رجل يسير بخطوات واثقة.

اللورد ألفرد.

ملامحه جامدة، ونظرته تحمل احتقارًا واضحًا لكل من يمر أمامه، بينما كان سوطه يتدلى إلى جواره.

لم يأتوا لحماية القرية من الغيلان التي تهاجم أطراف الإمبراطورية.

لقد جاؤوا لتحصيل ما يسمونه...

ضريبة الحماية.

انتشر الجنود بين الأكواخ.

ركلة واحدة كانت كافية لتحطيم باب.

وصوت آخر يطالب بالمال.

امرأة تتوسل.

رجل يخرج ما يملك.

وطفل يبكي خلف والدته.

كان أهل القرية يعرفون القاعدة جيدًا:

من يدفع... ينجُ.

ومن يعجز عن الدفع...

لا أحد يضمن ما سيحدث له.

اقتربت الخطوات من كوخ لوجارو.

توقف ألفرد أمام الباب.

رفع قدمه.

ثم ركل.

تحطم نصف الباب وسقطت ألواحه على الأرض.

رفع ألفرد عينيه نحو الجدة.

— ضريبة الحماية، أيتها العجوز.

ارتجفت الجدة.

— لا أملك شيئًا يا سيدي...

أشار ألفرد إلى داخل الكوخ.

— هل ستدفعين أم..؟

— بالكاد نجد ما يكفينا من الطعام...

لم يدعها تكمل.

اندفعت يده نحوها، فسقطت على الأرض.

شهق لوجارو.

— جدتي!

تحرك خطوة إلى الأمام.

لكن ألفرد لم يلتفت إليه حتى.

رفعت الجدة رأسها بصعوبة، وحاولت أن تستند إلى الأرض.

تحدثت بصوت مبحوح:

— خذ تلك القروش واترك الولد.

— أنينك يزعجني.

ثم مد ألفرد يده إلى خنجره.

في تلك اللحظة...

توقف كل شيء داخل لوجارو.

رأى النصل.

رأى جدته.

ورأى الرجل الذي يقف أمامها وكأن حياة امرأة عجوز لا تعني له شيئًا.

تحرك الخنجر.

وسقطت الجدة.

ساد الصمت.

صمت ثقيل، أكبر من الكوخ نفسه.

ظل لوجارو واقفًا مكانه.

لم يصرخ.

لم يبكِ.

فقط حدق.

اتسعت عيناه شيئًا فشيئًا، وكأن عقله يرفض قبول ما رأته عيناه.

ثم تحركت يده.

امتدت أصابعه المرتجفة نحو سكين صدئ كان ملقى على الطاولة.

أمسكه.

اشتدت قبضته عليه حتى ابيضت مفاصله.

وللحظة...

لم يعد يرى الجنود.

لم يعد يرى القرية.

لم يعد يرى شيئًا سوى ظهر ألفرد.

اندفع نحوه.

اندفع بكل ما بقي في جسده الصغير من قوة.

لكن قبل أن يحاول الاقتراب إليه—

التفت ذراع خشنة حول صدره.

وأطبقت كف قوية على فمه.

تجمد لوجارو.

كان هناك شخص يقف خلفه.

روبيرتو.

العجوز الذي اعتاد أهل القرية رؤيته منعزلًا عن الجميع، والذي لم يكن أحد يعرف عنه أكثر من أنه رجل غريب يعيش قرب الجبل.

أحكم روبيرتو قبضته على الصبي وسحبه إلى الظل.

حاول لوجارو الإفلات.

ركل.

قاوم.

وفي لحظة استسلم للواقع.

لكن العجوز لم يسمح له بالتحرك.

كان لوجارو يختنق...

ليس من قبضة روبيرتو.

بل من الغضب الذي كان يحرق صدره.

ثبتت عيناه على ألفرد.

ذلك الوجه البارد.

ذلك الرجل الذي أخذ منه آخر شخص بقي له في هذا العالم.

وفي اللحظة التي غادر فيها ألفرد الكوخ...

بقيت عينا لوجارو معلقتين بظهره.

وفي أعماقه...

ولدت أول شرارة للانتقام.